فخر الدين الرازي
646
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اللّه في جنة عرضها السماوات والأرض فأكل منها ، فأخرجه اللّه ، ثم قرأ : اهْبِطا مِنْها [ طه : 123 ] وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ، ثم قرأ : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [ المائدة : 27 ] . الثاني : قال ابن الزبير : ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة ، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار . الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يداً ولساناً . الرابع : قال معاوية : كل الناس أقدر على / رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة . الخامس : قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلًا ، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً ، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً ، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولًا ، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالًا . المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم اللّه على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد ، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة ، أما الأول : فحرام بكل حال ، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة ، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى . والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات . أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد . وثانيها : قوله تعالى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [ النساء : 89 ] . وثالثها : قوله تعالى : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها [ آل عمران : 120 ] وهذا الفرح شماتة ، والحسد والشماتة متلازمان . ورابعها : ذكر اللّه تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله : قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [ يوسف : 8 ، 9 ] فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له . وخامسها : قوله تعالى : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا [ الحشر : 9 ] أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون ، فأثنى اللّه عليهم بعدم الحسد . وسادسها : قال تعالى في معرض الإنكار : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 54 ] . وسابعها : قال اللّه تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ [ البقرة : 213 ] إلى قوله : إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ البقرة : 213 ] قيل في التفسير : حسداً . وثامنها : قوله تعالى : وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [ الشورى : 14 ] فأنزل اللّه العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا ، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول . وتاسعها : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوماً قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا ، فكانوا ينصرون ، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى : وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة : 89 ] إلى قوله : أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً [ البقرة : 90 ] أي حسداً . وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام ، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة ، فهذا حكم الحسد . أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة ، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه . أولها : قوله تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ